القرطبي
229
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال آخر : كأين أبدنا من عدو بعزنا * وكائن أجرنا من ضعيف وخائف فجمع بين لغتين : كأين وكائن ، ولغة خامسة كيئن مثل كيعن ، وكأنه مخفف من كيئ مقلوب كأين . ولم يذكر الجوهري غير لغتين : كائن مثل كاعن ، وكأين مثل كعين ، تقول كأين رجلا لقيت ، بنصب ما بعد كأين على التمييز . وتقول أيضا : كأين من رجل لقيت ، وإدخال من بعد كأين أكثر من النصب بها وأجود . وبكأين تبيع هذا الثوب ؟ أي بكم تبيع ، قال ذو الرمة : وكائن ذعرنا من مهاة ورامح * بلاد العدا ( 1 ) ليست له ببلاد قال النحاس : ووقف أبو عمرو " وكأي " بغير نون ، لأنه تنوين . وروى ذلك سورة ابن المبارك عن الكسائي . ووقف الباقون بالنون اتباعا لخط المصحف . ومعنى الآية تشجيع المؤمنين ، والامر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء ، أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير ، أو كثير من الأنبياء قالوا فما ارتد أممهم ، قولان : الأول للحسن وسعيد بن جبير . قال الحسن : ما قتل نبي في حرب قط . وقال ابن جبير : ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال . والثاني عن قتادة وعكرمة . والوقف - على هذا القول - على " قتل " جائز ، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب . وهي قراءة ابن عباس واختارها أبو حاتم . وفيه وجهان : أحدهما أن يكون " قتل " واقعا على النبي وحده ، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله " قتل " ويكون في الكلام إضمار ، أي ومعه ربيون كثير ، كما يقال : قتل الأمير معه جيش عظيم ، أي ومعه جيش . وخرجت معي تجارة ، أي ومعي . الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ، ويكون وجه الكلام قتل بعض من كان معه ، تقول العرب : قتلنا بني تميم وبني سليم ، وإنما قتلوا بعضهم . ويكون قوله " فما وهنوا " راجعا إلى من بقي منهم . قلت : وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل ، وقتل معه جماعة من أصحابه . وقرأ الكوفيون وابن عامر " قاتل " وهي قراءة
--> ( 1 ) كذا في الأصول المهاة : البقرة الوحشية . والرامح : الثور الوحشي ، لان قرنه بمنزلة الرمح فهو رامح : والمعنى لا يقيم مع الانس في مكان . الذي في ديوانه : " بلاد الورى ليست له ببلاد " .